معركة اليمامة وجمع القرآن الكريم

معركة اليمامة وجمع القرآن الكريم

معركة اليمامة وجمع القرآن الكريم، في زمن خلافة الصِّديق أبو بكر- رضي الله عنه-، قام العديد من القبائل العربية بتحويل كتبة القرآن، وقُتل المسلمون الحافظين للقرآن في معركة اليمامة؛ وبينما حزن المسلمون على فقدان رفاقهم، إلا أنهم بدأوا أيضًا في القلق بشأن الحفاظ على القرآن الكريم على المدى الطويل؛ وإدراكًا بأن كلام الله- عز وجل- يجب أن يُجمع في مكان واحد ويُحفظ، أمر الخليفة أبو بكر- رضي الله عنه- (بعد محاولة عمر- رضي الله عنه- لإقناعه ذلك) جميع الذين كتبوا صفحات من القرآن بتجميعها في مكانٍ واحد؛ فتم تنظيم المشروع والإشراف عليه من قبل أحد كتّاب النبي- صلى الله عليه وسلم- الرئيسيين، ألا وهو زيد بن ثابت- رضي الله عنه- .. وفي هذا المقال، سوف نقتصر على الظروف المحيطة بمعركة اليمامة، وتأثيرها على عملية جمع القرآن؛ تابعوا موقع معلومة ثقافية للتعرف على معركة اليمامة وجمع القرآن الكريم.

نزول القرآن الكريم

  • نزل القرآن الكريم في ثلاث وعشرين سنة، ثلاث عشرة سنة بمكة، وعشر سنين في المدينة؛ ولم ينزل القرآن على النبي-صلى الله عليه وسلم-دفعة واحدة، بل كان الوحي به طبقًا للمناسبات والأحداث، وكانت هذه الحقيقة بسبب حكمة الله-تعالى-من أجل تبسيط فهم القرآن وحفظه للأمة المسلمة التي كانت أمية في الأغلب.
  • وحتى يتعلم الناس تدريجياً ويتقنون تعاليم الإسلام ويتخلصون من الباطل والمعتقدات والتقاليد غير الأخلاقية، قال-تعالى-:”هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ” [الجمعة:2].

شاهد أيضًا: معنى الصافات في القرآن الكريم

تدوين الآيات القرآنية

  • بمجرد نزول الآيات القرآنية، اعتاد النبي-صلى الله عليه وسلم-على اختيار أحد أصحابه لتدوين هذه الآيات، كما نصح بوضعه داخل النص المتنامي، واعتاد أيضًا مراجعة هذه الآيات مع الكاتب أثناء عملية الكتابة، كما أنه بمجرد أن ينتهي الكاتب من كتابة الآية، يطلب منه النبي-صلى الله عليه وسلم-أن يقرأها عليه، وذلك من أجل تصحيح أي خطأ قد يحدث، حتى لا ينشرها الكاتب بين الناس وهي مغلوطة.

معركة اليمامة ومقتل حفظة القرآن الكريم

  • بعد وفاة النبي-صلى الله عليه وسلم-، وعندما أصبح أبو بكر-رضي الله عنه-خليفة للمسلمين، تراجع عن الإسلام بعض القبائل التي تبنَّت الإسلام حديثًا، ودارت معركة اليمامة في السنة الحادية عشرة الهجرية بين المرتدين بقيادة مسيلمة.
  • والمسلمين بقيادة خالد بن الوليد-رضي الله عنه-؛ وفي تلك المعركة استشهد سبعون من حفظة القرآن، وأصبح عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-قلقًا للغاية من هذا الفقد خوفًا من ضياع القرآن إذا قتل المزيد من الحفظة، لذلك هرع إلى أبي بكر-رضي الله عنه-وحثه على تجميع القرآن في كتاب واحد.

حَث عمر بن الخطاب لأبي بكر على جمع القرآن وموقف أبي بكر من ذلك

  • عندما استشهد الكثيرون من حفظة القرآن في معركة اليمامة، وأصبح عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-قلقًا للغاية من هذا الفقد خوفًا من ضياع القرآن إذا قتل المزيد من الحفظة، هرع إلى أبي بكر-رضي الله عنه-وحثه على تجميع القرآن في كتاب واحد؛ ومع ذلك، أظهر الصدِّيق-رضي الله عنه-ترددًا ورفض الفكرة للوهلة الأولى، خوفًا من أنه سيظهر كما لو كان يهتم بالإسلام أكثر مما اهتم به النبي-صلى الله عليه وسلم-في حياته؛ لكن، مضى عمر-رضي الله عنه-في إقناعه حتى فتح الله قلبه ليقبل الفكرة.

جمع القرآن الكريم

  • عندما اقتنع الصديق بفكرة عمر-رضي الله عنهما-بجمع القرآن الكريم، فقام بتكليف زيد بن ثابت-رضي الله عنه-بهذه المهمة، وهو الذي كان قد حضر آخر مراجعة للقرآن مع النبي-صلى الله عليه وسلم؛ وكان زيد شابًا موثوقًا وحكيمًا، وكان أحد الذين كتبوا الوحي للنبي-صلى الله عليه وسلم-في المدينة المنورة.
  • فقال له أبو بكر-رضي الله عنه-: “إنَّكَ شابٌّ عاقلٌ لا نتَّهِمُكَ، وقد كنتَ تَكتُبُ الوَحيَ لرسولِ اللهِ-صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، فاجمَعْهُ” [الراوي: زيد بن ثابت / المحدث: أحمد شاكر / المصدر: مسند أحمد / الصفحة أو الرقم: 1/54 / خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح].
  • كان زيد لا يكتب شيئاً حتى يشهد على الذي سيتم كتابته من قبل شاهد عيان واحد أو جماعة، ويقروا بأنهم كتبوا ما جاءوا به أو ما سمعوه، بأنهم كتبوه أو سمعوه من النبي- صلى الله عليه وسلم-، وفي ذلك دليل على مدى حرص زيد على الجمع بين الحفظ والكتابة لتحسين التوثيق والتدقيق؛ وقد جمعه على آخر ما سمعه عن النبي- صلى الله عليه وسلم-؛ وفي تدوين الصفحات حرص على أن يشمل فقط ما ثبت صحته من خلال سلاسل الرواية، وما تم تأكيده في المراجعة الأخيرة، وما لم يتم نقضه بالإجماع من قبل أصحاب النبي، فضلاً عن حرصه على ترتيب الآيات والسور؛ ولهذا قال الإمام علي بن أبي طالب- رضي الله عنه-: “أعظم الناس في المصاحف أجرًا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع بين اللوحين”، وظلَّت المخطوطات التي تم جمعها في عهدة أبي بكر- رضي الله عنه-، ثم نقلت إلى عمر- رضي الله عنه-، وأخيراً إلى حفصة أم المؤمنين- رضي الله عنها.

شاهد أيضًا: من رتب سور القرآن الكريم كما هي الآن بالمصحف

انتشار الإسلام وطرق التلاوات المختلفة للقرآن الكريم

  • انتشر الإسلام في جميع أنحاء العالم، واعتنق الإسلام حديثًا، وبدأ الناس في جميع البلدان الإسلامية في دراسة دين الله-عز وجل-بعمق، وتعلُّم القرآن الكريم، وقد أدى ذلك إلى ظهور المزيد من نسخ القرآن الكريم التي تمت تدوينها كما قرأها أصحاب النبي-صلى الله عليه وسلم-، حيث تميل كل جماعة إسلامية إلى تلاوة القرآن بالطريقة التي تلقوها في بلادهم.
  • هذا واعتاد المسلمون على الاستماع إلى تلاوة بعضهم البعض للقرآن كُلَّما التقوا في مناسبات مختلفة، وبدأوا في ملاحظة الفروق بين التلاوات المختلفة، حيث تَتَّبِعْ كل منطقة التلاوة التي تلقوها بلهجتهم من الصحابة؛ على أن أسلوبهم في التلاوة صحيح، وكان هذا مصدر اختلافات.

عثمان بن عفان وجمع المسلمين على مصحفٍ واحد

عندما عاد حذيفة بن اليمان- رضي الله عنه- الذي شارك في فتوحات أرمينيا وأذربيجان وشهد تصاعد الخلافات بين كتائب العراق وسوريا بشأن تلاوة القرآن الكريم، ذهب إلى الخليفة عثمان بن عفان- رضي الله عنه، فقال: “يا أميرَ المؤمنينَ، أدرِكْ هذِهِ الأمَّةَ قبلَ أن يختلِفوا في الكتابِ كما اختلفتِ اليَهودُ والنَّصارَى” [الراوي: أنس بن مالك / المحدث: الألباني / المصدر: صحيح الترمذي / الصفحة أو الرقم: 3104 / خلاصة حكم المحدث: صحيح]؛ وبناءً عليه، استشار عثمان إخوانه وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين، واتخذ الخطوات التالية:

  • دعوة الصحابة لكتابة نسخة مسبقة من القرآن الكريم ليتمكن المسلمون من متابعتها في مناطقهم المختلفة، وخاطب الصحابة قائلًا: “اجتمعوا يا أصحاب محمد، فاكتبوا للناس إماما” [رواه ابو داود].
  • اختيار أربعة من الصحابة الكِرَام-رضي الله عنهم-لتدوين القرآن، وهؤلاء هم: زيد بن ثابت، من الأنصار، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث من قريش؛ وكان هؤلاء الصحابة على دراية كبيرة بالقرآن الكريم؛ ومن يراجع سيرتهم، ويتحقق من قدراتهم العلمية العالية وأخلاقهم النبيلة سوف يدرك بالتأكيد أن اختيارهم كان مرتبطا بحمد الله-عز وجل الذي نذر بحفظ كتابه.
  • تحديد منهج دقيق للكتابة، حيث قدم الدعم الكامل لهم وتابع أعمالهم؛ وكدليل على حذرهم وانتباههم، أظهروا عناية كبيرة لآخر مراجعة للنبي-صلى الله عليه وسلم-للقرآن الكريم؛ وكان زيد بن ثابت-رضي الله عنه-قد شهد هذه المراجعة، وهذا ما أهلّه إلى أن يختاره أبو بكر وعمر-رضي الله عنهما-للمجموعة الأولى من جمع القرآن، ويختاره عثمان-رضي الله عنه-للمجموعة الثانية.
  • جَمَعَتْ هذه المجموعة الآيات والسور بالترتيب المعروف الذي ينعكس في الكتاب اليوم، وبحسب النطق الباقي في المراجعة الأخيرة كما نقل عن النبي-صلى الله عليه وسلم-؛ وبهذه الطريقة تم جمع القرآن الكريم بمنتهى الدقة، وظل محتواه محميًا ضد أي فساد، وبَقِيَ دون أي شكّ فيما يتعلق بأي إضافات أو حذف؛ فأرسل عثمان-رضي الله عنه-نسخة منه إلى كل دولة من الدول الإسلامية في عصره.

شاهد أيضًا: من الذي قام بترتيب سور القرآن الكريم بوضعها الحالي؟

في نهاية مقال معركة اليمامة وجمع القرآن الكريم، هكذا قد جُمِعَتْ كلمات القرآن كما نزلت على النبي-صلى الله عليه وسلم-، واحتُفظت بالذاكرة من قبل المسلمين الأوائل، وسُجِّلتْ كتابةً على يد الكتبة-رضي الله عنهم أجمعين-إلى أن جاء القرآن على شكله في يومنا الحالي؛ وفي آخر كلمات هذا المقال، أريد أن أذكر قول الله-عز وجل-: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ”[الحجر:9]، صدق الله العظيم.

أترك تعليق