حكم الاحتلام في الصيام بالتفصيل

الاحتلام لا شك أنه ظاهرة من الظواهر الطبيعية التي تحدث للبشر كافة، فالاحتلام في اللغة من الفعل احتلم ومصدره احتلام، واحتلام الصبي تعني أنه قد أدرك البلوغ، فالاحتلام فطرة فطر الله الناس أجمعين عليها، فيمر كل البشر على تلك الحالة سواء الذكر والأنثى قبل الوصول لمرحلة البلوغ.

أما الاحتلام اصطلاحًا فيعني أن ما يراه الإنسان وهو نائم من معاشرة وجماع تؤدي به إلى البلوغ وخروج المني أو خروج المذي من صلب الرجل أثناء فترة النوم ولكنه لا يستطيع أن يتحكم بما يحدث وبصورة غير شعورية كما قال سبحانه وتعالى: “وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ “.

ما هو الاحتلام

يعرف الاحتلام في اللغة بأنه رؤيا الجماع في المنام، فيتسبب في خروج المني أو المذي، وبذلك فهو مسبب للجنابة ويتطلب الغُسل، وهو دلالة على البلوغ، وعادة ما يحدث الاحتلام بين عمر التسع سنوات قمرية وحتى الخمسة عشر سنة، وبمجرد بلوغ الطفل يصبح راشدًا ومكلفًا.

ويتساوى الرجل والمرأة في حدوث الاحتلام، فهو أمر طبيعي وغريزة فطرية لا يمكن التحكم بها أو السيطرة عليها، فإذا احتلم الشخص سواء ذكر أو أنثى وجب الغسل، وفي ذلك ورد الحديث النبوي الشريف حيث سُئِلَ رسولُ اللهِ – صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم – عَنِ الرجُلِ يَجِدُ البَلَلَ ولا يَذْكُرُ احتِلامًا، قال: يَغْتَسِلُ. وَعَنِ الرجلِ يَرَى أنه قَدِ احتَلَمَ ولا يَجِدُ بَلَلًا، قال: لا غُسْلَ عليه. قالت أُمُّ سُلَيْمٍ: هل عَلَى المَرْأَةِ – تَرَى ذلك – غُسْلٌ؟ قال: نَعَمْ، إنَّ النساءَ شقائِقُ الرجالِ.

وفي ذلك أيضًا الحديث النبوي الشريف حين جاءت أُمُّ سُلَيْمٍ، امْرأةُ أبي طلحةَ، إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالتْ: يا رسولَ الله، إنَّ الله لا يَسْتَحْيِي مِن الحقِّ، هل على المرأةِ من غُسلٍ إذا هي احْتَلَمَتْ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نعم، إذا رأتِ الماءَ) فذلك الحكم عام بين العلماء أن من احتلم ورأى الماء فوجب عليه الغسل ويعلم أنه بلغ الحلم.

شاهد أيضًا: هل التخيل الجنسي يبطل الصوم في الإسلام ؟

نظرة الإسلام إلى الاحتلام

ينظر الإسلام إلى الاحتلام نظرة كبيرة للمتفهم الناصح، فإن الحكم الشرعي للاحتلام إن المسلم سواء كان رجلًا أم كانت أنثى فعند الاحتلام وجب عليهما الغسل مباشرة بعد الاستيقاظ من النوم.

وقد وضع الله سبحانه وتعالى الشهوة في تركيبة الإنسان وغريزته الفطرية، وأمره بأن يفرغ هذه الشهوة والطاقة الجنسية بطريقة سليمة من خلال الزواج الشرعي الصحيح، والذي من خلاله تتحقق مصالح الدنيا من حيث بناء أسرة وإنجاب الأبناء وإعمار الأرض الذي هو حكمة الله من خلق الإنسان.

وجعل من طرق تفريغ هذه الطاقة أيضًا الاحتلام، وهو وسيلة لتصريف الطاقة الجنسية بشكل لا إرادي ولا يمكن للإنسان التحكم فيه فتخرج بشكل طبيعي، ولا يجب على الفرد أن يقوم بذلك بنفسه وإلا أصبح يمارس الاستمناء وهو طلب خروج المني أثناء اليقظة، والاستمناء محرم ويستوجب الغسل.

واستدل العلماء والفقهاء على شرعية الاحتلام من خلال الحديث النبوي الشريف: “رُفِع القلمُ عن ثلاثةٍ: عن النَّائمِ حتَّى يستيقظَ، وعن الصَّبيِّ حتَّى يشِبَّ، وعن المعتوهِ حتَّى يعقِلَ”، فلو كان الاحتلام محرم لما جعله الله سبحانه وتعالى علامة للبلوغ وأن الطفل أصبح شابا مكلّفا.

الغسل من الاحتلام

الغسل هو سريان الماء على جميع أجزاء الجسد بطريقة معينة بغرض الطهارة، وللغسل صفتان على النحو التالي:

الصفة الكلية: وهي أن ينوي الشخص بقلبه الاغتسال، ثم يغسل يديه ثلاث مرات، ثم يغسل الفرج بالماء لإزالة ما أصابه من أذى جراء الاحتلام، ثم يتوضأ وضوء كامل للصلاة، ثم يغترف بكلتا يديه الماء ثم يحثي على رأسه ثلاث مرات حتى يصل إلى أصول الشعر.

ثم يفيض بالماء على جسده بالكامل بحيث يبدأ بالشق الأيمن من جسده ثم الشق الأيسر بحيث يغمر الماء كل أنحاء جسده، ثم يغمر كامل بدنه بالماء مع الحرص على أن يصل الماء إلى جذور الشعر وبين ثنايات الجلد وبين الأصابع، ثم يغسل قدميه.

وذلك وفقًا لما ورد في الصحيحين عن عائشة ـ رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوئه للصلاة، ثم يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أن قد استبرأ، حفن على رأسه ثلاث حفنات ثم أفاض على سائر جسده ثم غسل رجليه.

الصفة الجزئية: وهي أن يقوم الشخص بإزالة ما في الفرج من نجاسة، ثم ينوي الاغتسال ويفيض الماء على جسده بالكامل على أن يصل الماء إلى فمه وأنفه وجذور الشعر، وذلك الغسل أيضًا صحيح.

شاهد أيضًا: هل يجوز صيام الشخص الجنب؟

حكم الاحتلام في الصيام

الاحتلام في نهار رمضان إذا كان خارجًا عن الإرادة والقصد فهو لا يبطل الصيام، ولا يتوجب القضاء على من احتلم في نهار رمضان أثناء النوم، وذلك بإجماع العلماء، لأنه يحدث أثناء النوم، والنوم أمر مباح ولا يمكن تركه أو الاستغناء عنه، فلا يمكن لأي شخص أن يترك النوم تجنبًا لحدوث الاحتلام، وبالتالي فهو أمر لا إرادي.

ولذلك فإن الاحتلام لا يبطل الصيام، لأن إنزال الماء الناتج عنه لا يكون عن شهوة أو عن علاقة حقيقية، ولأن ما يفعله الشخص أثناء نومه يكون خارج عن التكليف، وذلك استنادًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عنِ النَّائمِ حتَّى يستيقظَ، وعنِ الصَّبيِّ حتَّى يحتلمَ، وعنِ المجنونِ حتَّى يعقلَ).

ولكن الاحتلام يستوجب الغسل، فلابد على من احتلم أثناء النوم أن يغتسل الغسل الشرعي للجنابة بمجرد الاستيقاظ وذلك إذا وجد الماء أو المني في ملابسه، ولكن إذا لم يجد منيًا فلا يستوجب ذلك الغسل.

وذلك استنادًا على الحديث النبوي الشريف الذي رُوي عن أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، أنّها قالت: (سُئِلَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-عَنِ الرجُلِ يَجِدُ البَلَلَ ولا يَذْكُرُ احتِلامًا؟ قال: يَغْتَسِلُ، وَعَنِ الرجلِ يَرَى أنه قَدِ احتَلَمَ ولا يَجِدُ بَلَلًا؟ قال: لا غُسْلَ عليه، قالت أُمُّ سُلَيْمٍ: هل عَلَى المَرْأَةِ -تَرَى ذلك-غُسْلٌ؟ قال: نَعَمْ، إنَّ النساءَ شقائِقُ الرجالِ).

الفرق بين الاحتلام والاستمناء

الاستمناء أو العادة السرية هي أن يقوم الشخص سواء كان ذكر أو أنثى باستحضار الشهوة وإنزالها خلال اليقظة وبشكل إرادي، من خلال مداعبة الأعضاء التناسلية بشكل ذاتي حتى يصل إلى الشهوة وإنزال الماء، والعادة السرية محرمة بإجماع العلماء، وهي تبطل الصيام ويستوجب على من يقوم بها قضاء الصيام، كما تستوجب الاغتسال.

أما الاحتلام فهو حالة طبيعية وتحدث للشخص أثناء النوم فلا يملك أي قدرة على السيطرة عليها أو التحكم بها، ولذلك فهي لا تبطل الصيام ولا تستوجب القضاء، ولكنها تستوجب الغسل، وهي ليست محرمة بإجماع العلماء.

ما يحرّم عند الاحتلام

لأن الاحتلام سببًا في الجنابة ويستوجب الغسل، بالتالي فهناك عدة أمور يحرّم على المسلم القيام بها قبل الاغتسال، وهي:

  • الصلاة.
  • قراءة القرآن.
  • لمس المصحف، حيث لا يمسّه إلا المطهرون.
  • الجلوس في المسجد.
  • الطواف في البيت الحرام.

شاهد أيضًا: كيفية الاغتسال من الاحتلام في رمضان

وفي الختام، نستخلص مما سبق أن الاحتلام لا يمكن أن يحدث بقصد من الإنسان، ولذلك فلا حرج على من يحتلم أثناء النوم، ولا يفسد صيامه، وعليه فقط الاغتسال للطهارة والصلاة وقراءة القرآن.

أترك تعليق